الرئيسية » قضايا دينية » الابعاد الانسانية في الهجرة النبوية

الابعاد الانسانية في الهجرة النبوية

الأبعاد الإنسانية في الهجرة النبوية
لا شك أن التأريخ بالتاريخ الهجري يعد أحد معالم الارتباط بالهوية التي تقوي المناعة الفكرية للأمة الإسلامية، من خلال فهم وتشرب المواقف والتشبع بما تحمله من شحنات إيجابية تزرع العزة في النفوس وتخلق الأمل في العودة والقيام، ولهذا عمل الاستعمار الفرنسي على محو هذه المعالم وإضعاف ارتباط المواطن المغربي العربي الأمازيغي المسلم بهويته، وجهله تاريخه كي يقدم له النموذج الذي يريد له هو، ويعزز ارتباطه العرقي أو المكاني، ويزرع النعرات والفتن….
ولسنا هنا بصدد الحديث عن الهجرة وسرد أحداثها التي يتوجب على كل مسلم أن يعلم تفاصيلها ويعلمها لأبنائه، بل لنستوعب الدلالات الإنسانية لحدث الهجرة بوصفها إحدى أرقى صور الحضارة الإنسانية وذلك من خلال النقط التالية :
_ الهجرة كانت في السنة الثالثة عشرة للبعثة وهذا يعكس الصبر على الدعوة وعلى الحق وعلى القضية
_ الحصار الذي فرض على المسلمين من طرف كفار قريش والذين تراجعوا هم أنفسهم عنه بشكل تلقائي، بعد طول مدته و تدخل أولي الرأي الرشيد منهم والذين استفاقت ضمائرهم و لم يرضوا لأنفسهم هذا الحصار المجاني لمن لم يؤذوهم أصلا، سيما مع إخبار الوحي عن أمر الصحيفة التي أكلتها الأرضة إلا اسم الجلالة.
_ أهل المدينة كانوا أول من بايع فالإيمان بالحق لا يكون على أساس دم أو قرابة بل عن رجاحة عقل واتزان وذلك لما رأوا وسمعوا، فضلا عن كونهم علموا ببعثة خاتم الأنبياء من خلال اليهود الذين كانوا هناك فهم أهل كتاب.
_ اليهود أغلبهم لم يؤمنوا جحودا و استعلاءا على علمهم اليقين بصدق النبوة.
_ الصحبة تصل إلى درجات عليا من المحبة والثقة والنصرة التي مثلها ثاني الاثنين أبو بكر الصديق رضي الله عنه
_ إن الصحبة ليست مطية للاستيلاء على ملك من تصاحب أو أن يشرك المرء نفسه في ممتلكات غيره، ولهذا فإن الرسول _ صلى الله عليه وسلم _ أخذ راحلة من أبي بكر مشترطا عليه أن يأخذ ثمنها على علمه اليقين بقربه منه وسخائه…
_ استئجار أحد المشركين ليكون دليلهما في الطريق وثقتهم به وعدم التعصب للدين ، وقد كان بالفعل أهلا لهذه الثقة وحفظ السر ولم يكن إسلامه شرطا للاستعانة به
_ مع اليقين التام بالله عز وجل فقد تم أخذ جميع الاحتياطات منها مثلا تكليف أحدهم بمحو آثار المشي من على رمال الصحراء …
_ مع اكتمال كل التدابير البشرية تتدخل الأقدار الإلهية مرتين لحماية النبي الكريم (عليه الصلاة والسلام) وصاحبه :
* المرة الأولى بتحقيق العمى الحسي عند الشباب من صناديد قريش حيث خرج أمامهم النبي الكريم وقد عطلت أعينهم عن الإبصار… وآذانهم عن الاستماع وأجسادهم عن الحركة ومر الرسول عليه السلام من بينهم بسلام بل و وضع حفنة تراب على رؤوسهم لتأكيد مروره في حضورهم.
* والمرة الثانية إذ بذلوا كل مجهوداتهم للوصول إليه عليه الصلاة والسلام، ومع وصولهم إليه في الغار حيث كان أبو بكر الصديق يقول للنبي الكريم “لو نظر أحدهم إلى قدمه لرآنا فكان يجيبه ( صلى الله عليه وسلم) بقوله :” ماظنك باثنين الله ثالثهما ”
_ تكليف علي بن أبي طالب برد أمانات كفار قريش لهم حيث كانوا يعترفون بصدق محمد وأمانته ولا يثقون في غيره حتى وأنهم لم يؤمنوا برسالته فكان لهم بمثابة مايعرف الآن بالبنك من غير نسيئ.
_ قوة المرأة ودورها وحضورها وعلمها بما يحدث، إذ تجلى هذا في قصة الهجرة من خلال بنتي أبي بكر الصديق اللتان لم تهاجرا معه في تلك الليلة، إذ لم تطلع أسماء بنت أبي بكر زعماء قريش على أي معلومة متعلقة بالرحلة مع علمها بكل التفاصيل، بل إنها كانت تأخذ لوالدها وصاحبه النبي الطعام إلى الغار لمدة ثلاثة أيام وهي حامل في الشهور الأخيرة.
_ اهتمام الأنثى بالتفاصيل المحايدة و الموضوعية في الخطاب، فإن وصف أم معبد لوضاءة وجه النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) وشكل حضوره وووحتى وهي لا تعرفه…يعد وصفا متفردا من حيث مضمونه وبلاغته وجماليته اللغوية… ويعتبر لحد الساعة أقرب وصف لشخص النبي الكريم
_ الإنسان العربي شخص عزيز ذو قيم أخلاقية عالية وليس شخصا منحط السلوك، فإن الكفار لما عزموا أمرهم على قتل الرسول (صلى الله عليه وسلم) وحيث خرج ولم يروه وكان علي بن أبي طالب ينام مكانه لم يقتحموا عليه البيت ولم يكسروا الباب بل بقوا خارجا حتى قام من منامه، لأن أخلاق الرجل العربي تعاف و تترفع عن هذا مع العلم بخطورة السياق التاريخي
_ العلو في القيم، فإن التجاوز الوحيد كان أن لطم أبو جهل أسماء بنت أبي بكر الصديق على وجهها وهذه تعتبر سابقة من زعيم القبيلة تعكس قمة غضبه وشعوره بالاستصغار والغبن، ومع ذلك فإنه لم يأخذ الأهل كرهائن أو شيئا مما يحدث في زماننا… ولم يثبث حتى أنه دخل البيت فإن العرب كانت تعيب دخول البيوت دون إذن َمهما كان الوضع..
_ اليقين التام بقيام الدولة وانتصار الحق والقضية فلما لحق سراقة بن مالك بالمهاجرين رغم كل الاحتياطات التي أخذاها، وذلك كي يظفر بالجائزة المتمثلة في مائة من الإبل وهي ليست بالأمر الهين، ولم يتمكن منهما إذ كانت قدم الفرس تغوص في الرمال مرتين أو ثلاث… تجد الرسول (عليه الصلاة والسلام) يعطيه الوعد اليقين بأن يلبس سواري كسرى أعظم إمبراطورية في ذلك الزمان.. بل والأعجب تصديق سراقة لذلك ، حتى وأنه لم يسلم إلا بعد فتح مكة، إذ أخذ بالفعل عهدا مكتوبا قدمه لعمر بن الخطاب في أيام حكمه لتتحقق تلك النبوءة الصادقة.
فإن الجهد والعمل يصحبه الإيمان العميق بالانتصار و الثقة في المستقبل والرفعة وتحقيق الأهداف
_ لما عاد المسلمون لمكة عادوا فاتحين معززين مسالمين لا مرهبين ولا منتقمين حتى أن زعيم مكة أبا سفيان كان مازال على شركه فما كان من رسول الله (صلى الله عليه وسلم) إلا أن حفظ كرامته وحفظ مكانته بمقولة شقت أسماع التاريخ ” ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن”…!!
هكذا روعي حتى الشرط النفسي للعدو الذي أصبح حليفا فيما بعد لما رأى من صدق وعلم عن نفسه من استعلاء أجوف ، وهكذا فإن قضية الدين الإسلامي هي الحفاظ على البشرية وكف الدماء و نشر السلام والمحبة…
ولكي نعلم أن البشرية صارت إلى انحطاط وأن الأخلاق تنمحي فشتان ما بين أبي جهل لا يكسر أبواب البيوت، وأبي علم الآن يقتل النساء في الخدور!!
هذا فقط استقراء بسيط للقيم الإنسانية والأخلاقية في الهجرة، القيم التي حل محلها الفساد ولعل من أصعب مظاهره التعود عليه حيث جهلنا تاريخنا ومن نحن ومن نكون وكيف نكون؟! وأننا نؤمن بأن الآخر إما “أخوك في الدين أو نظيرك في الخلق”
لطيفة لجوي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *