السيسي بين القدر والطالع

وفي إطار إجابته على السؤال طرح مكيافيللي وقائع من التاريخ الغربي تدلل على صحة كلا الموقفين، القدرة قد تصنع حاكما، وكذلك حسن الطالع، فأحيانا يكسر عزم الشباب واستبسالهم قبح الطالع، وأحياناً أخري يكون حسن الطالع بمثابة حصان طروادة فيحقق لصاحبه انتصارات مجانية بدون أن يكون له فيها حول ولا قوة.
لكن مكيافيللي عاد ليضع معيارا مهما للتقليل من الحيرة مفاده بأن “الحاكم السعيد هو من كانت وسائله واجراءاته توافق طبيعة العصر“.

ونحن هنا بدورنا نطرح ذات السؤال ولكن بصيغة أخري : إلى أي مدى ساهمت عوامل “الطالع” سوءا أو حسنا السيسي؟ وهل هى من تمكنت من أن تثبيت عرشه أم “القدرة”؟

قبل الحديث يجب الإشارة إلى أنه لا توجد فئة من الناس أكثر سعيا إلى الغيبيات من رجال الحكم والعمل العام لا سيما السياسة، سواء أكان ذلك في مصر أو في أى مكان في العالم وبمختلف الثقافاتوالأديان والأجناس، وذلك لأنه أينما وجد المجهول وجد معه أيضا الفضول لاكتشافه، وأينما وجد الخوف وجدت معه حيل البحث عن الطمأنينة.

والاهتمام بالغيبيات وجد حتى في دولة الخلافة الإسلامية الأولى حينما قصد المنجمون المعتصم ليحذرونه من فتح عمورية ، إلا أن عزم الشباب الذى تحدث عنه مكيافيللي هو من جعلهم يهزمون توقعات النجوم ويفتحون عمورية لينشد بعدها الشاعر “أبو تمام” قصيدته الرائعة التى حملت نفس الاسم.

ولمعرفة مدى إايمان السيسي بالطالع سنقف أمام بعض المؤشرات والتي من أهمها أنه في التسريب الصوتي الشهير الذى أذاعته شبكة “رصدنسمع صوته يتحدث عن “رؤياه” وهى عمل “غيبي” حول لقائه بالسادات ، وكيف قال له إنه سيصبح حاكما ، فرد عليه بأنه يعرف ذلك جيدا ، ويعرف أنه يجمع بينهما نهاية متشابهة لخصتها الساعة “الأوميغا” التي منحها له السادات – والتي تعنى باللاتينية النهاية.

وعمليا فإن اهتمام السيسي البالغ بالصوفية – وهى حركة وجدانية غيبوية – واضحا بشدة حيث حرص على أن يستهل حكمه بلقائهم مرتين في العام الأول للانقلاب ، وقرب منه رجالهم في الأزهر وفي الحياة العامة ، وهم فقط من بين التيارات الدينية التى ما زالت تدعمه.

كما التقي السيسي أيضا عدة مرات بزعماء طائفة “البَهَرة” وطوائف دينية أخري لها ذات الطابع الغيبوى، كما فعل ذلك مرارا مع حاخامات يهود والذين هب كبيرهم ليحذره علنا من خيانة حراسه له ، داعيا له بالنصر والثبات ،فيما هب أخر ويدعى “عوفاديا” ليحذره من الخيانات في قصره ، ويقول أنه باركه كما بارك من قبله مبارك فبقي في الحكم ثلاثين عاما، وهنا لا ننسي ما تردد عن قرب موطن مسقط رأس السيسي في منطقة الجمالية وسط القاهرة قرب مقام الإمام “الحسين”، وأيضا “حارة اليهود“.

ثمة أيضاً دليل لفظي يمكن التدليل به، وهو أن السيسي دأب على استخدام عبارة “أهل الشر” دون أن يسمهم ، وهى عادة من يخشي الحسد وهى بالقطع لفظة لها دلالات غيبية.
لذلك فان كل ما تقدم يؤكد أن الرجل مؤمن بكل منتجات “الميتافيزيقا” أو “علم ما وراء الطبيعة” ايماناًراسخاً.

من العجب أنه يمكننا الجزم بأن كل عوامل حسن الطالع عند السيسي هي ذاتها عوامل سوئه ، وكل دلالات القوة عنده هى ذاتها دلالات قوية للفشل أيضا ، فقد جاء حسن طالعه من أمر واحد هو انتمائه للمؤسسة العسكرية، وهى التي منحته القدرة أيضا ، فدانت كل أجهزة الدولة له بالخضوع التام بشكل ربما لم يحدث في أى وقت سابق من الحكم العسكري لمصر.
ومغزى ذلك الالتفاف قد يعود لاستشعار بعض قياداتها خطورة المطالبات المناهضة لحكم العسكر والتي آثرتها وميزتها ثورة يناير بشكل أيضا غير مسبوق ، وكان يلزم ذلك الالتفاف السلطوي وجود قاعدة شعبية تكون حجة على وجوده ويبرر بها كل مظالمه ، فلما أٌطلقَ نفير الحشد هرع إليه كل طامع مشتاق، وكل صاحب مصلحة، أو نفوذ ،أو انتهازى، أو مرتعش ، فكان ذلك أول برهان على سوء دعوته.

كما أن منبع قدرته تلك والتي حولته إلى صاحب “سطوة” هائلة مدمرة يخشاها الجميع، يرتكب عبر استخدام اسمها الكثير من الفظائع والمظالم ، ويلجم بها أعلى الألسنة صوتا وأكثرها عصيانا على الإخراس، ويرغم الناس على تقبل عشرات الأضعاف، بل مئات الأضعاف مما كانوا يتذمرون عليه سابقا ويعتبرونه عذرا كافيا للإطاحة برئيس منتخب وحبس أو تشريد أو قتل أى محتج ممن انتخبوه ، هى نفسها التي صارت وبالاً عليه.
فقد صار إرضاء قياداتها أمراً ثقيلا جداً عليه في بلد يوشك علي الإفلاس، والثورة تختمر بشكل حقيقي في وجدان أناس لم يعرفوا من قبل لها سبيلا ، إضافة إلى أنه بدلا من التفكير في إنقاذ البلاد من السقوط القادم لامحالة ، كرس كل جهده لإرضائهم  ظنا منه أنه يشتري به ولائهم، دون أن يدري ما تضمره نفوسهم له، خاصة أنهم هم من جاءوا به ولم يأت هو بهم، وأن الغضب الشعبي عليه  صار يمثل تهديدا مصيريا لهم.
ورغم القدرة التى لم تقتصر فقط على انتمائه للمؤسسة العسكرية، بل أيضا بسبب الدعم المادي والسياسي والدبلوماسي الكوكبي العظيم له ، فشل فشلاً ذريعا ، ما يعنى أن ما يرافقه من سوء طالع ، أو باللهجة الدارجة المصريةالنحس” كان أيضا عظيما.
هذا “النحس” لم يقتصر عليه فقط ، بل طال كل النظام العسكري الحاكم المستقر منذ أكثر من نصف قرن، حيث تَكَشَفَ للجميع حتى أقرب مؤيديه سوءاته ، بل أن النحس طال ثوابت كانت مستقرة في أذهان الناس نتيجة جهد دعائي جبار سابق حول انقلاب 1952.

يمكننا في نقاط سريعة رصد أهم مظاهر حسن طالع السيسي: الانتماء للقوات المسلحة ، تولى حليفه ترمب المعروف بكراهيته للإسلام زمام حكم سيدة العالم ، ظهور موارد غاز ومعادن جديدة ، ظهور داعش وتنامى ظاهرة الإسلامفوبيا عالميا ، تنامى الصراع السنى الشيعي، والسعودي الإيراني، التحكم فيالاعلام.

أما أبرز عوامل نحس السيسي فتتمثل في تطور وسائل الإعلام والاتصال ،من حيث كثرتها وفرديتها ما جعلها خارج نطاق سيطرة الأمن من ناحية ، وتعدد مصادرها أضفي علي معلوماتها تأكيدات قوية لم تكن متاحة من قبل ، وبناء عليه فشل السيسي في عزل ما يجري داخل مصر عن العالم ، وفشل أيضا في تزييف الحقيقة ، وكانت وسيلة لتوحد الثوار.
كما أن من مظاهر النحس أيضا ، أن السيسي جاء بعد فترة حريات كبيرة أعقبت ثورة يناير تغيرت فيها مفاهيم كان لا يمكن حتى التشكيك فيها من قبل، وأصبح ملايين من الناس أنضج سياسيا وبالتالي لم تنطل عليهم الأساليب والإجراءات القديمة