المغرب منبع الاشراف والمتصوفيين

ٍٍ

بقلم : السيد عبد الله مومن السباعي

الرئيس العام لجمعية المعرفة للشرفاء بالمغرب

عميد الزاوية المومنية السباعية

مدير قسم معرفة الأشراف بمجموعة جرائد ومجلات النهضة الدولية-الوطنية

 

المغرب تاريخ الأشراف والتصوف دعائم المنهج الديني المغربي الوسطي المعتدل :

كان أول قادم على المغرب منذ ذرية الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأرضاه، هو المولى إدريس، وقد كان وصول مولاى إدريس إلى إفريقيا عبر البحر الأحمر بعد واقعة “فخ” التي وقعت يوم 10 يونيو 786، ومن طنجة التي نزل بها بادئ الأمر وجه نداءه التاريخي إلى المغاربة، ولم يلبت أن تلقى البيعة يوم الجمعة 6 فبراير 789، حيث أنشأ مملكة بالمغرب مستقلة عن الخلافة العباسية ببغداد.

وقد استمرت الدولة بجهود ابنه المولى ادريس الثاني – بعد اغتيال والده – حيث أنشأ له عام 808 عاصمة تحمل اسم فاس بعد أن وفدت عليه حشود من الأندلس وإفريقيا بل ومن العراق وفارس ممن تعرضوا للاضطهاد والقمع والظلم في تلك الجهات، ومن هنا تنعت فاس بأنها ملاذ الخائفين، فقد أصبحت فعلا كعبة للقاصدين ولاسيما من الأشراف أو السادة كما يسمونهم بالمشرق، وهكذا نجد من بين الفصائل الخمس الأساسية للشرفاء الوافدة على فاس:

  • الأدارسة : وهم بنو الإمام مولاي إدريس.
  • المحمديون : وهم العلويون الواردون من ينبع، وهم بنو الإمام محمد ذو النفس الزكية ابن عبد الله الكامل ابن الحسن المثنى ابن الحسن السبط بن علي وفاطمة الزهراء بنت سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.
  • وهكذا، وعـند أول تجربة اندمج فيها التصوران الديني والسياسي، سارع المغاربة إلى مبايعة المولى ادريس كأول حاكم مغربي جمع بين إمارة الدين وسياسة الدنيا، فكانت تلك اللبنة الأولى التي ارتكز عليها بناء صرح مؤسسة إمارة المؤمنين في مختلف مراحل تكونها وتطورها تماشيا مع ما نص عليه القرآن الكريم وما تبث في السيرة النبوية.

  • فإمارة المؤمنين هي الراعية والضامنة لثوابت الأمة السالفة الذكر دينيا ودستوريا، فهي إذن وسيلة طيبة فعالة وناجعة لبقاء وحدة الحكم وانتظام أمر السياسة الشرعية في الأمة وتوحدها على نظر واحد وإمام عدل واحد ونبذ لجميع مظاهر الفرقة والفتنة والخلاف والتحريف والانزلاق عن النصوص الشرعية.
    ومن هنا وجب أن تكون توجيهات أمير المؤمنين في الشأن الديني والوطني، مرجعا دائما للواعظ أو الخطيب تحقيقا للتواصل بين الإمام الأعظم وأمته.
  • وبذلك، فقد داوم المغرب على نظام البيعة، وجعله أساس حكمه وقاعدة استمراره وانفرد من بين الدول الإسلامية بالمحافظة عليه والتشبث به، إذ استمرت البيعة أساسا لاختيار الملوك المغاربة وخلفائهم وأمرائهم منذ عهد الدولة الادريسية إلى أن اعتلى العرش الملك محمد السادس نصره الله بتاريخ 23 يوليوز 1999.
  • ومن نتائج البيعة وآثارها لملوك الدولة العلوية الشريفة إقامة الدين وطاعة الله ورسوله، وإقامة الشرع بما يرضي الله ويحفظ مصالح العباد بجلب المنافع ودفع المضار، والتمسك بمذهب الإمام مالك والإخلاص لثوابت الأمة ومقدساتها، والدفاع عن الوطن ولم أجزائه وجمع شتاته والدفاع عنه، وصفوة القول، شكلت البيعة في النظام السياسي المغربي الإطار الشرعي للسيادة وأبعاده الحقة، كما شكلت أيضا علامة بارزة ومظهر استقرار الحكم واستمراره في المغرب على عكس باقي الأنظمة الإسلامية الأخرى.
  • كما أن وحدة الأمة قائمة على وحدة في الفكر والمنهج  والسلوك وهي الأمور التي أمنها ولازال يؤمنها المذهب المالكي المبني على مقومات تنظم العلاقة بين الخالق والمخلوق وبين المخلوقات فيما بينهم.
  • ولما كان صلاح الناس مبنيا ومحكوما بوحدة أمتهم وقوتها وتماسكها فقد راعى المذهب المالكي على وجه الخصوص مفهوم الأمة بناءا، وحبا، ومحافظة، وتقديسا، وتطويرا.
  • فالمذهب وسيلة لوحدة الناس في أهم وأحرج أمور حياتهم وهي أمور الدين، كما اهتم المذهب المالكي بضرورة توحيد الكلمة على الإمام الأكبر وهو حاكم المسلمين، كما أن العقيدة الأشعرية وتمسك المغاربة بها كانت السر وراء تماسك أمتهم وتلاحم مجتمعهم لأنها تسد الباب وراء التعبير في العقائد والتكفير وتجمع الناس على راية توحيد واحدة.
  • أما التصوف فهو تهذيب للقلوب ودعوة لمكارم الأخلاق، كما أنه داع للحب والألفة الذي يزيد من تماسك الأمة وبقائها وقوتها، حيث به يتم الارتقاء بالمرء إلى مدارج الاسعاد الروحاني والجسماني والفردي والمجتمعي.

 

  • إفريقيا في صلب المسلسل الدبلوماسي المغربي منذ بزوغ فجر الاستقلال:
  • فالنفوذ الروحي لأمير المؤمنين على رعاية المغاربة، يمتد ليشمل الدول الإفريقية وخاصة الدول المتواجدة في غرب إفريقيا والتي تجمعها بالمغرب روابط دينية وروحية باعتبار أمير المؤمنين سليل النبي الكريم عليه السلام.
  • ولبلوغ الغاية المذكورة أعلاه، عمل جلالة الملك بمقتضى ظهير ملكي شريف على إعادة تنظيم وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية لتواكب القضايا والمستجدات الدولية والتأسيس لإستراتيجية تحقق التضامن الإسلامي وتعزيز أواصر الصداقة والتعاون مع الدول الإسلامية الإفريقية والدولية حيث تم إحداث وحدات إدارية معنية بتدبير التعاون الدولي في الشأن الديني.

  • لقد انعكست اهتمامات المغرب بإفريقيا على أرض الواقع منذ السنوات الأولى، حيث قام سنة 1960 بتنظيم مؤتمر الدار البيضاء تحت رعاية المغفور له محمد الخامس الذي يعتبر شخصية لعبت دورا كبيرا في تحرير ووحدة إفريقيا، حيث تمكن من جمع أهم الزعماء الأفارقة وقد توجت هاته المبادرة بنجاح كبير، حيث أسفرت عن ميلاد وتأسيس الوحدة الإفريقية بأديس أبابا في سنة 1962.
  • وعلى الصعيد التاريخي فإن العلاقات القديمة التي تربط المغرب بإفريقيا تعكس تجدره في هاته القارة وهو ما يستوجب التضامن الفعال للمغرب اتجاه إخوانه في الجنوب في جهود التنمية كما يشهد على ذلك احتضان المغرب للعديد من المؤتمرات حول التنمية بإفريقيا.
  • الدين مفتاح الدبلوماسية الدينية للعب أدوار أساسية جنوب الصحراء
  • تعد زيارة الملك محمد السادس لإفريقيا المتتالية بمثابة فتح معنوي وإحياء للدين فهي حدث يروم إحياء ماض عريق، حيث كانت العلاقات الدينية بين المغرب ومجموعة من الدول الإفريقية المسلمة تعيش على إيقاع الترابط الروحي والوحدة في شقها العقدي والمذهبي والسلوكي.
  • فالتصوف كان مثلا عاملا دينيا موحدا، قبل ظهور مستجدات دينية خارجية قادمة من المشرق حيث عرفهم عن الصوفيين عدائهم الكبير لأتباع المذهب التكفيري الذين يكفرون المسلمين متى اتبعوا أحد المذاهب الإسلامية الأخرى.
  • وعليه فزيارة الملك محمد السادس لهذه الدول الإسلامية الإفريقية الشقيقة، وما ترتب عنها اتفاقيات دينية تعد بحق انتصار للتدين الوسطي والإصلاحي الذي يقطع الطريق على المشاريع الإسلامية الحركية، كما تنخرط في تغذية المشاريع الإصلاحية لدى صانعي القرار في بعض الدول الإسلامية التي فرضت عليها تداعيات أحداث 11 شتنبر 2001 والاتهامات التي وجهت المذهب التكفيري الذي تعتمده بعض الدول الإسلامية باعتباره يدعو للتطرف هكذا، فقد اعتمد المغرب – ولا بد أن يستمر- على ورقة مهمة هي الدين بفضل العلاقات العميقة الموجودة في مالي حيث تسعى السلطات إلى صد الإسلام التكفيري، خصوصا وأن ما يدعم المغرب في ذلك هو مرجعية جلالة الملك أمير المؤمنين وسليل النسب الشريف في الحقل الديني التي تقوم على أسس وثوابت تتمثل في دعم أسس السلم والاستقرار والتنمية البشرية المستدامة وإشاعة قيم الإسلام السمح والمعتدل والذي اعترفت بنجاعته الدول الغربية في محاربة التطرف والإرهاب والغلو في الدين ودعت الدول الإسلامية إلى الاقتداء بالنموذج الديني المغربي لمواجهة تأثير الإسلاميين المتطرفين.
تا
4