عناق بين وزيري خارجية المغرب والجزائر قد يذيب الجليد بين البلدين

خطف العناق الذي دار بين وزيري الخارجية الجزائري والمغربي كل الأضواء؛ بل وبات الحدث الأهم في تحليلات المتتبعين للشأن المغاربي.

وجاءت هذه المصافحة القوية بين الوزيرين؛ عبد القادر مساهل وناصر بوريطة، على هامش اجتماع الندوة الـ14 لوزراء الشؤون الخارجية لحوار “5+5″، المنعقدة بالجزائر في 21 يناير/كانون الثاني 2018.

وانتشرت صور وفيديوهات العناق كالنار في الهشيم عبر الشبكات الاجتماعية. وأظهرت تلك الصور وزير الخارجية الجزائري بابتسامات عريضة، يستقبل بالأحضان وزير الخارجية المغربي، مرحِّباً به في افتتاح أشغال الندوة، قبل أن يضعا اليد في اليد ويتوجها إلى قاعة المؤتمرات، حيث جرت جلسات الاجتماع المتوسطي.

وكانت وسائل إعلام جزائرية تحدثت عن مقاطعة مرتقبة لدولة المغرب لهذا الاجتماع الرفيع، وقالت إن وزارة الخارجية في المغرب ستكتفي بإرسال أحد المديرين العاملين بالخارجية.

فيما تحدثت وسائل إعلام أخرى عن تردد الوفد المغربي في المشاركة بالاجتماع حتى الساعات الأخيرة التي سبقته، حيث اتخذ وزير الخارجية المغربي، ناصر بوريطة، قرار السفر إلى الجزائر، بعد استشارته الملك محمد السادس.

 

بعد أزمة “الحشيش”

 

العناق الذي دار بين مساهل وبوريطة، يأتي بعد أيام قليلة من الأزمة الدبلوماسية بين البلدين، بعد تصريحات الطرف الجزائري في 20 أكتوبر/تشرين الأول 2017، بأن “الاستثمارات المغربية على مستوى القارة الإفريقية، وهي استثمارات على شكل تبييض أموال الحشيش والمخدرات من خلال فروع البنوك المغربية الموجودة في الدول الإفريقية”، وقال إن “الخطوط الجوية الملكية في المغرب لا تنقل المسافرين فقط؛ بل أشياء أخرى”.

وقد احتجت حينها المملكة المغربية ببيان رسمي من وزارة خارجيتها، كما استدعت القائم بأعمال السفارة الجزائرية في الرباط، مندِّدة بما صدر من وزير الخارجية الجزائري عبد القادر مساهل.

وفي 19 يناير/كانون الثاني 2018، قال الوزير الأول الجزائري أحمد أويحيى، الذي يترأس حزب التجمع الوطني الديمقراطي، إن حزبه يصطف إلى جانب المواقف، التي يتخذها بلده “ضد أولئك الذين يحاولون من الخارج إغراق بلادنا تحت تدفق هائل للمخدرات، والكوكايين”، في إشارة منه إلى المغرب.

 

إذابة الجليد

 

ويعتبر محمد ماروك، أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية بجامعة الجزائر، مشاركة وزير الخارجية المغربي بوريطة في اجتماع “5+5″، وصور عناقه مع نظيره الجزائري عبد القادر مساهل- أهم حدث في هذا الاجتماع.

وأضاف في حديثه لـ “هاف بوست عربي”، أن الجميع كان يتوقع غياب المغرب عن الاجتماع، كما أشارت إليه بعض وسائل إعلام البلدين، لكن الأمور سارت عكس المتوقع، ما يوحي بأن الجليد بدأ يذوب في العلاقات الدبلوماسية بن البلدين.

ويؤكد المتحدث أن الأزمة الدبلوماسية الأخيرة بين الجزائر والمغرب كانت توحي بتفاقم الجمود في العلاقات بينهما، معتبراً “الخطوة التي أقدم عليها المغرب لمَّا قرر المشاركة في الاجتماع المتوسطي، مهمة في التخفيف من حدة الخطابات القاسية من الجيران”.

وتعتبر هذه الزيارة الأولى من نوعها لوزير خارجية مغربي إلى الجزائر منذ عهد سعد الدين العثماني في يناير/كانون الثاني 2012، لمَّا اختار العثماني الجزائر كأول رحلة له بعد أيام قليلة من تعيينه.

وقبله، كانت آخر زيارة لرئيس الدبلوماسية المغربية، بقيادة وزير خارجيتها عبد اللطيف فيلالي، تعود لسنة 1989، حيث جاء إلى الجزائر في إطار الوساطة الجزائرية-المغربية-السعودية لإيقاف الحرب في لبنان.

 

قضايا إقليمية مهمة

 

محمد ماروك يؤكد أن الأحداث الساخنة التي تعرفها الساحة في المغرب العربي وبلدان الساحل الإفريقي وحوض المتوسط، “عجَّلت بهذا التقارب الدبلوماسي، خاصة الأوضاع في ليبيا، وشمال مالي وظاهرة الهجرة غير الشرعية”.

ولم يستبعد ماروك أن تكون هناك قريباً زيارة دبلوماسية رفيعة من الطرف الجزائري إلى المغرب، قد تكون بحجم وزير الخارجية عبد القادر مساهل، أو الوزير الأول أحمد أويحيى.

وكان وزير الخارجية المغربي، ناصر بوريطة، قد صرح عن فحوى مشاركته في الاجتماع، واعتبره “لقاءً إقليمياً بحضور جميع الدول؛ لوضع ملفات هامة ومشتركة بين هذه البلدان”.

 

ملف الحدود ما زال مغلقاً

 

ويستبعد الإعلامي الجزائري بجريدة “وقت الجزائر” سفيان خرفي، فتح ملف الحدود بين البلدين في الظرف الراهن، والعناق -كما يؤكد- ليس إلا لقاءً دبلوماسياً لحدث هام احتضنته الجزائر.

وقال خرفي لـ”هاف بوست عربي”، إنه لا يتوقع أن يفتح الطرفان ملف الحدود المغلقة بين البلدين في الوقت الحالي، حتى وإن عادت العلاقات الدبلوماسية على شكل تبادل الزيارات، وبعض الاستثمارات والعلاقات التجارية.

الرأي نفسه، ذهب إليه أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية بجامعة الجزائر محمد ماروك، الذي أكد لـ”هاف بوست عربي”، أن الحدود ستظل مغلقة، وما اللقاء الأخير سوى “باب لتحسُّن طفيف للعلاقات المغربية-الجزائرية”.

وأضاف: “أعتبر أن لقاء مساهل وبوريطة تمهيد لعودة علاقات دبلوماسية بالتدريج، لكن الحديث عن فتح الحدود، أو حتى التطرق إلى ملفه مؤجل في الظرف الراهن، خاصة أمام الاتهامات المتتالية للمغرب من قِبل مسؤولين جزائريين، بضلوعه في تسميم الشعب بالمخدرات”.

 

هل جمعتهما فرنسا؟

 

الإعلامي سفيان خرفي، ذهب إلى أبعد من ذلك، فاعتبر أن اللقاء كان برعاية فرنسية.

وقال خرفي: “اجتماع 5+5 بالجزائر، كانت رئاسته مناصفة بين وزيري الخارجية الجزائري عبد القادر مساهل، ووزير الخارجية الفرنسي جون إيف لو دريان. وبالنظر إلى الأبعاد التاريخية والإقليمية التي تربط فرنسا بالجزائر والمغرب، فإن فرنسا تكون قد تدخلت لجمع الطرفين في طاولة واحدة”.

وأضاف: “كيف نفسر تردُّد ممثلي الدبلوماسية المغربية في السفر إلى الجزائر حتى الساعات الأخيرة التي سبقت الاجتماع، وبأمر ملكي؟ الأكيد أن هناك وساطة ما، أذابت الجليد، وأعتقد أنها فرنسا”.

أستاذ العلاقات الدولية محمد ماروك، يرى أن فرنسا لها تأثير في العلاقات بين الجزائر والمغرب، وسباقها في فرض مكانتها بهذين البلدين دليل واضح في ذلك، وقد تكون هي من أقنعت المغرب بالعدول عن مقاطعة الاجتماع.

 

بين “النفاق السياسي” و”خاوة خاوة”

 

اشتعلت مواقع التواصل الاجتماعي بصور وتعليقات العناق الأخير بين عبد القادر مساهل وناصر بوريطة، وصلت لحد التفاؤل بفتح الحدود، وعودة العلاقات الجيدة بين البلدين، وهناك من تشاءم واعتبرها “تمثيلية دبلوماسية لا غير”.

من المعلقين من اعتبر العناق بالأحضان بين الوزيرين فرصة للتسامح، ونبذ الفراق بين الشعبين، تحت شعار “خاوة خاوة” أو “إخوة إخوة”.