نص الخطاب الملكي السامي الموجه الى الأمة بمناسبة عيد العرش

شعبي العزيز...
يغمرنا شعور مفعم بالغبطة والتأثر ونحن نخاطبك في هذا اليوم الذي نحتفي فيه جميعا بالذكرى الأولى لاعتلائنا عرش أسلافنا الميامين مستخلفين لأداء الرسالة وحمل الأمانة سائرين على نهجهم القويم في قيادتك وإعلاء شانك والارتقاء بك.
وإنها لخير مناسبة لتأكيد الوفاء الصادق الذي تبادلناه وتجديد العهد المقدس الذي يلحم بيننا بأواصر البيعة الشرعية التي تطوق عنقك وعنقنا متجدرة عبر ثلاثة عشر قرنا من تاريخنا الحافل المجيد مشدودة إلى العصر الحديث برباط دستوري ديمقراطي متجدد.
إن احتفائك الخاص بعيد العرش يعود لخاصيته المتمثلة في تجسيده لتلاحم مقدسات المغرب الثلاث.. الإسلام والملكية والوطن حيث ارسى العرش بفضل الإسلام والملكية مكونات الوطن التعددية الحضارية والثقافية والجغرافية وجعلها مصدرا مستمرا لوحدته. كما شكل هذا الالتحام بينك وبين العرش حصنا حصينا اكسب المغرب قوة ومناعة بهما تمكن من الصمود أمام اخطر الصعاب والأزمات وتخطى اعتى العراقيل والعثرات ورفع مختلف العوائق والتحديات واجتياز الامتحانات الحاسمة ومنعرجات التاريخ الصعبة وهو اكثر ما يكون ثباتا وشجاعة واقوى تضامنا وأوفى عهدا.
ذلك ما لمسناه وما شهد به التاريخ المعاصر عندما اختار الله لجواره والدنا المنعم مولانا الملك الحسن الثاني طيب الله ثراه واكرم مثواه حيث كان التحامك بوارث سره للنهوض بأمانة استخلافه في خدمتك خير وفاء لذكراه العطرة. فبهذا الوفاء المتبادل وتجديد العهد الصادق تغلبنا على محنة فراقه متآزرين. وإننا بهذه المعاني السامية والمغازي العالية لنستحضر روحه الطاهرة الزكية و هي تهيمن علينا حاثة على التذكير بعهده الزاهر المتسم بالتوحيد والتشديد وبناء الدولة الحديثة القائمة على دعائم الملكية الدستورية الديمقراطية الاجتماعية. كما نسترجع ذكرى بطل التحرير جدنا المقدس مولانا محمد الخامس تغمده الله بواسع رحمته وجزيل مغفرته إذ كان المبادر إلى اتخاذ بوم تربعه على العرش عيدا لالتقاء الشعب الآبي بعاهله الممثل لسيادته ورمزا للكفاح من اجل استعادة استقلاله وحريته. فلهما من الله الجزاء الأوفى على ما قدمنا من تضحيات جسيمة وما أنجزا من أعمال عظيمة وما أرسيا من قواعد متينة وأسس مكينة آخذنا العهد على نفسنا كي نسلك سبيلها النيرة الواضحة بخطى ثابتة وإيمان عميق
هكذا انطلقنا في لقاء مباشر معك ومعاينة ميدانية لأحوال كل فئاتك وجهاتك خاصة المحرومة منها في بناء مجتمع حداثي قوامه ترسيخ دولة الحق والقانون وتجديد وعقلنة وتحديث أساليب إدارتها وإعادة الاعتبار للتضامن الاجتماعي والمجالي وتفعيل دور المجتمع المدني وإنعاش النمو الاقتصادي وحفز الاستثمار العام و الخاص وانطلاق تنمية شمولية وإقلاع اقتصادي يضع في صلب أولوياته تشغيل الشباب و النهوض بالعالم القروي والشرائح الاجتماعية والمناطق المعوزة وتأهيل الموارد البشرية والذود عن وحدة التراب واستثمار الرصيد الثمين للإشعاع الدولي للمغرب بنفس واليات جديدة.
وإنه ليطيب لنا في غمرة هذه الذكرى العطرة أن نعرب لك شعبي العزيز عن جزيل شكرنا وكبير اعتزازنا بالمشاعر التي ما فتئت تعبر بها عن صادق وفائك وخالص ولائك ملتفا بعفوية وتلقائية حول شخص جلالتنا متشبثا بأهداب عرشنا ومومنا بالأهداف التي رسمناها داعين لمضاعفة الجهود في تجديد للرؤى والمناهج وتمديد للآفاق بما يؤهلك لولوج الألفية الثالثة التي نحن مشرفون عليها وأنت أكثر ما تكون تمسكا بالمقدسات وتعلقا بالثوابت والتزاما بالعهود أقوى ما تكون استعدادا للانخراط الفعال في مسيرة العصر والمساهمة الإيجابية فيها تحفزا من المكانة اللائقة بمجدك التالد وحاضرك الطموح ومستقبلك المشرق الواعد ضمن أصالة راسخة متجددة وحداثة أصيلة.
شعبي العزيز..
سيرا على هذا النهج القويم وبعون من الله وتوفيقه كان منطلقنا مولين كبير اهتمامنا لترسيخ دولة الحق والقانون فأعطينا مفهوما جديدا للسلطة يجعلها ترعى المصالح العمومية وتدبر الشؤون المحلية وتحفظ الأمن والاستقرار وتسهر على الحريات الفردية والجماعية وتنفتح على المواطنين في احتكاك مباشر بهم ومعالجة ميدانية لمشاكلهم وإشراكهم في هذه المعالجة. وهو مفهوم يتسم بالشمول والتكامل وكل لا يتجزأ وبنيان مرصوص يشذ بعضه بعضا. فلا حرية بدون أمن واستقرار ولا تنمية بدون احتكاك يومي بالمواطن وإشراكه في معالجتها. كما أننا نشد على أن هذا المفهوم لا ينحصر في الإدارة الترابية بل ينطبق على كل من أوكلت إليه سلطة معينة اعتبارا لغايته النبيلة العامة المتمثلة في مصالحة المواطن مع السلطة والجهاز الإداري وحفظ الكرامة وحفز الاستثمار.
وقد حرصنا على تفعيل هذا المفهوم بإجراء حركة تغيير واسعة في مختلف الأجهزة الإدارية خاصة منها الإدارة الترابية والمركزية ورجال السلطة الجهوية والإقليمية وكذا قطاع الإعلام والاتصال بغية توفير الموارد البشرية المتجددة والتي ننتظر منها التشبع الكامل بفلسفته السامية. كما تم إطلاق عملية واسعة للمراقبة والتدقيق والتفتيش والزجر في ظل سيادة القانون والشرعية على مستوى الجماعات المحلية والمؤسسات العمومية.
وبموازاة مع ذلك فقد سهرنا على وضع مجموعة جديدة من النصوص المبلورة له حيث تم تهيئ مشاريع متقدمة أعدنا من خلالها النظر جذريا في كل ميثاق الجماعات المحلية والإقليمية والحهوية ومدونة الانتخابات. وسنبشرك شعبي العزيز في مناسبة قريبة بالخطوط العريضة لهذه النقلة الديمقراطية الكبرى التي توخينا منها الإسراع بترسيخ اللامركزية واللاتمركز في اتجاه إفراز مجالس محلية وإقليمية وجهوية تجمع بين ديمقراطية التكوين وعقلانية التقطيع ونجاعة وشفافية وسلامة التدبير وتتوفر على أوسع درجات الحكم الذاتي الإداري والمالي الذي من شأنه جعلها تنهض بعملية التنمية الاقتصادية والاجتماعية ليس بالتبعية للدولة ولكن بالشراكة مع القطاع الخاص والمجتمع المدني من قبل نخبة ذات مصداقية وكفاءة ونزاهة يفرزها نظام ومسلسل انتخابي ديمقراطي محاط بجميع الضمانات القانونية الكفيلة بضمان حريته وتعدديته ونجاعته.
كما أننا ننتظر من حكومتنا ترسيخ دولة القانون بإعطاء دفعة قوية للإصلاح الإداري والقضائي المستمر على تخليق الحياة العامة وثقافة المرفق العام. وسنتعهد برعايتنا السامية الموصولة هذا المفهوم الذي قطعنا الخطوات الأولى لتفعيله والذي ينتظرنا بذل مجهودات متواصلة ومتأنية حتى يصبح تشريعات عصرية وثقافة متجدرة وسلوكا يوميا وفعلا تلقائيا.
وفي هذا السياق الرامي إلى تركيز دولة الحق والقانون أولينا عناية خاصة لحقوق الإنسان وأحدثنا هيئة مستلقة للتحكيم بجانب المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان لتعويض الضحايا حرصا على أن تعمل بكامل العدل والإنصاف والسعي للاستجابة لكل المطالب والطلبات المشروعة والانفتاح على مختلف الحساسيات. كما أصدرنا تعليماتنا السامية بأن تبذل كل أشكال التأهيل الطبي والإنساني وإعادة الاعتبار والإدماج الاجتماعي لذوي الحقوق علما من جلالتنا بما للتعويض المعنوي والإنساني من أهمية خاصة في الطي النهائي لهذا الملف غايتنا المثلى تضميد الجراح وفتح صفحة جديدة تكرس فيها كل الطاقات لبناء مستقبل مغرب ديمقراطي وعصري وقوي لمواجهة المشاكل الحقيقية والملموسة لأجياله الصاعدة.
وسيرا على اعتماد الدمقرطة والعقلنة في مسلسل التحديث الشامل لمؤسساتنا فقد قررنا إعادة النظر في الظهير الشريف المنظم للمجلس الاستشاري لحقوق الإنسان. كما أصدرنا توجيهاتنا السامية بخصوص ما ننتظره من هذا المجلس من مهام جليلة متجددة في العقد الأول للقرن الحادي والعشرين مثلما نهض بوظائفه كاملة في العقد الذي نودعه. وسنسهر لهذه الغاية على تجديد تركيبته وكذا اختصاصاته وطريقة عمله خاصة وأن المؤسسات الدولية المختصة بحقوق الإنسان تتطلع لجعل تجربته نموذجا متميزا في هذا المجال.
ولأن حرصنا على توطيد الحريات لشعبنا الأبي لاحد له.. فإننا ندعو حكومتنا إلى الإسراع بوضع مشاريع قوانين لمراجعة مدونة الحريات العامة في اتجاه يوفق بين مقتضيات مبدأ الحرية ومتطلبات الحفاظ على النظام العام الذي يعد ركنا أساسيا لضمان ممارسة الحرية الفردية. كما أن عزمنا منكب على تأسيس جهاز خاص يسهر على التطبيق السليم لقانون وأخلاقيات المهنة النبيلة لـــلإعلام والاتصال في حرص تام على حريتهما وتعدديتهما.
إن مسلسل التحديث يتطلب تشخيص واقع مؤسساتنا والانكباب عليه لعقلنته. فكما أن لكل زمن رجاله ونسائه فإنه كذلك لكل زمن مؤسساته. والعقلنة تقتضي إحداث مؤسسات جديدة بدل تلك التي أدت وظائفها وأن وقت تجديدها واستبدالها بأخرى تستجيب لمتطلبات التحولات المستجدة.
ومواصلة منا لتحديث دولة المؤسسات وعقلنتها وتفعيل مؤسسات و ثقافة التشاور والحوار اللازمة للديمقراطية فقد قررنا تنصيب المجلس الاقتصادي والاجتماعي المنصوص عليه في الباب التاسع من دستور المملكة ليكون مؤسسة دستورية للتفكير والتشاور في جميع القضايا الاقتصادية والاجتماعية من قبل صفوة ذات راي راجح مكملة للمؤسسات المنتخبة منيطين به الادلاء برايه في أي مشروع او مخطط يتعلق بالاتجاهات العامة للاقتصاد الوطني المالية منها و الاجتماعية و التربوية و التكوينية بما فيها مشكلات الشباب ومتابعة الحوار الاجتماعي واصلاح نظام التعليم داعين حكومة جلالتنا الى ان تسرع بوضع مشروع قانون تنظيمي يحدد تركيبته و تنظيمه و صلاحياته و طريقة تسييره. كما قررنا بموازاة مع تنصيب المجلس الاقتصادي والاجتماعي حل المجلس الوطني للشباب والمستقبل ومجلس متابعة الحوار الاجتماعي و المجلس الاعلى للتعليم الذي يعود ظهير تاسيسه لسنة 1970 حيث ستؤول صلاحياتها جميعا للمؤسسة التي سيتم تنصيبها.
واننا نود بهذه المناسبة ان نشيد بالدور الذي قامت به هذه الهيات وان ننوه بما كان لها من منجزات هامة. كما نود تاكيد حرصنا على زيادة تمتين الصرح الديمقراطي الذي شيده والدنا المنعم و العمل على اختصار الوقت الذي قطعته شعوب اخرى لاستكماله مجددين التشديد على التزامنا بالسهر على تمرس رعايانا الاوفياء على ادارة الشان العام و تعلم فضائل المشاركة فيه محليا و وطنيا و جهويا ذلكم الالتزام الشديد الذي لا يوازيه الا حرصنا الدائم على التصدي لكل اشكال الاضرار به او الاستحواد على ثمراته.
وفي سياق كل المؤسسات المنصوص عليها في الدستور فقد اصدرنا تعليماتنا السامية لحكومة جلالتنا قصد الاسراع بوضع مشروع القانون القانون التنظيمي للمحكمة العليا المنصوص عليها في الباب الثامن من دستور المملكة.
وبالرؤية نفسها نظرنا الى الشان الديني فاتخدنا بصدده تدابير جديدة واصدرنا تعليماتنا السديدة كي ياخذ مجراه الذي تستوجبه وظائف الامامة العظمى والتزامات أمير المؤمنين الراعي الامين لجميع متطلبات هذا الشأن في نطاق وسطية الاسلام واعتداله وتسامحه وكونه دين العلم والحياة الداعي باستمرار إلى التجديد والتحديث بما يتلائم مع روحه العالية و مبادئه السامية ومقتضيات التطور الوقتية.
و تحقيقا لهذه الغاية أمرنا بإعادة هيكلة المجلس العلمي الاعلى و المجالس العلمية الجهوية مما يجعلها قادرة على أداء رسالتها بإشراف و توجيه مباشر من جلالتنا. كما أمرنا باتخاذ الترتيبات الازمة قصد إعادة المكانة لرسالة المسجد باعتباره مقرا للعبادة والتربية والتكوين والعظ والارشاد وباعتباره أيضا مركزا ينهض فيه العلماء والعالمات بتأطير المواطنين والمواطنات وصهرهم في مجتمع طاهر سليم واع و متماسك.
شعبي العزيز..
على هذا النسق من التفكير والتدبير المتجددين وجهنا عنايتنا لمختلف قضايانا المحلية والجهوية و الوطنية وفق مشروع سياسي يستوعب حقيقة مجتمعنا في سياقه التاريخي و يعمل على تغييره نحو الارقى والأفضل بواقعية بعيدة عن الشعارات الجوفاء والمقولات الجاهزة وقادرة على التفاعل مع متغيرات العصر تحفزا من الثوابت الراسخة المتمثلة في قيمنا الاسلامية و مقومات هويتنا الحضارية و الثقافية و قادرة كذلك على تفعيل التضامن والتكافل في مدلولهما الاسلامي لمحاربة الفقر ومظاهر الاقصاء والارتقاء بالفئات المحرومة مما يعني إقامة عدالة اجتماعية تعتمد المساواة في الفرص والامكانات في نطاق إصلاح يتعهد المكتسبات المؤسسية بالتجديد و الاغناء و يسعى إلى اقتصاد الوسائل و تقنين الممارسات البنائة وتجدير الثقافة الديمقراطية عبر منظور المواطنة الفاعلة والعمل المبدع الخلاق من خلال المبادرات الذاتية والأشغال التطوعية و تشجيع الشراكة و التعاون.
ولقد كان الجفاف الذي عرفته بلادنا هذا العام محكا دفع إلى تقوية التضامن مع العالم القروي في محنته التي حرصنا شخصيا على معاينتها و القوف على اثارها و قيادة الحملة الوطنية لتخفيفها و تجاوز أضرارها.
وإننا لنشيد بالدور الفاعل للمجتمع المدني الذي أبان عن انخراطه الفاعل في محاربة الفقر و التلوث و الأمية مما يجعلنا ندعو السلطات العمومية و الجماعات المحلية و سائر المؤسسات العامة و الخاصة إلى أن تعقد معه كل أنواع الشراكة و تمده بجميع أشكال المساعدة. وإننا لجد معتزين بتعاطي نخبة المجتمع المدني للشأن العام والعمل الجمعوي والاهتمام بمجالات كانت إلى حد كبير ملقاة على عاتق الدولة لوحدها مما يعد مؤشرا على نضج الشعب وقواه الحية.و بقدر ما نومن بتكامل المجتمعين المدني والسياسي بدل تعارضهما المزعوم الذي يريد البعض أن يجعله مطية للاستحواذ غير المجدي على فضاءات العمل الوطني فإننا نعتبر أن دينامية المجتمع المدني الفاعل في مجالات التنمية المحلية ومحاربة الفقر والتلوث والأمية و كذا النهوض بمهام القوة الاقتراحية والتأطيرية و التربوية من قبل عناصره النشيطة التي لم تجد نفسها في بنيات المجتمع السياسي تعد مدعاة لهذا الاخير لتأهيل أدواته و تجديد هياكله وتغيير أساليب عمله وإيلاء العناية القصوى للقضايا اليومية المعيشية للمواطنين بدل الخوض في التنابر بالألقاب وجري البعض وراء مصالح أنانية فردية أو أشكال من الشعبوية المضرة بكل مكونات هذا المجتمع السياسي الذي ننتظر منه النهوض الكامل بوظيفته الدستورية المتمثلة في تربية وتأطير المواطنين.
وإذا كان حرصنا الشديد على التوزيع العادل للثروات لا يوازيه إلا حرصنا على التوزيع المتكافئ للإمكانات والفرص فإننا نحث رعايانا الأوفياء على نبذ روح الإتكالية جاهدين على تحسيسهم بما يختزنون من قدرات خلاقة على تغيير واقعهم و محيطهم معتمدين قيم التضامن و العدالة و تكافؤ الفرص وروح الإيثار والإبتكار وداعين حكومة جلالتنا لضرورة القيام باستثمارات اجتماعية من خلال بلورة سياسات عمومية ناجعة في مجالات السكن الاجتماعي والتجهيزات الأساسية والصحة والتأهيل والتربية والتكوين.
شعبي العزيز..
إن حرصنا على التوجه المجتمعي نابع من إيماننا بأن الكرامة تفتقد مع الجهل أكثر مما تفتقد مع الفقر.و من ثمة كان توجهنا للإستثمار في الموارد البشرية باعتبار رأس المال البشري رافعة للتقدم و خلق الثروات و نظرا لدوره في تحويل و تدبير باقي الثروات و إدماج هذا الإستثمار في مسيرة التنمية. وهذا ماجعلنا نسهر غداة اعتلائناعرش أسلافنا الميامين على وضع و المصادقة على الميثاق الوطني للتربية و التكوين و المجموعة الأولى من القوانين المبلورة له والمبرزة لخصائصه وتوجهاته الرامية إلى تكوين نشئ منتج نافع مؤهل للإبداع والمبادرة وقادرة على رفع تحديات مجتمع المعرفة والتواصل والتكنولوجيا المتطورة باستمرار في اعتزاز بكيانه و تمسك بثوابته و مقدساته وتشبث بعقيدته و قيمها الهادفة إلى بث روح الصلاحو الإستقامة والإعتدال والتسامح وما إليها من الأنماط السلوكية الحميدة التي يجمعها مصطلح "التربية" المتأصل في ثقافتنا والذائع على ألسنة العامة والخاصة باسم"الترابي" والذي كان وراء إطلاق جلالتنا لإسم ميثاق التربية بدل ميثاق التعليم على الوثيقة المرجعية لهذا الإصلاح.
وإننا مع سابغ رعايتنا للميثاق الوطني للتربية و التكوين نحث حكومة جلالتنا على تفعيله و تسريع عملية تنفيذه و تخصيص الاعتمادات الازمة لذلك كما نشدد على وجوب انخراط جميع المعنيين كل من موقعه في جو من التعبئة الشاملة و التجند الكامل حول أهداف الميثاق بعيداعن المزايدات والحساسيات قصد تفعيله مجددين التأكيد على قرارنا السامي بإعلان العشرية القادمة عشرية خاصة بالتربية والتكوين و ثاني أولوية وطنية بعد الوحدة الترابية بحيث لا يحل موعد 2010 إلا وقد تقلص بطريقة ملموسة ببلادنا أثر الأمية و التعليم غير النافع.
وانطلاقا من العطف الذي نخص به أسرة التعليم واعتبارب لدورها الأساسي في تحقيق الإصلاح المؤمل فقد قررنا إنشاء مؤسسة للأعمال الاجتماعية لأسرة التعليم.و سيتسنى لهذه المؤسسة التي أطلقنا عليها إسم جنابنا الشريف لتحمل إسم "مؤسسة محمد السادس للأعمال الاجتماعية لأسرة التعليم"أن تحتضن ربع مليون من أفراد هذه الأسرة العزيزة على جلالتنا مع عائلاتهم و أن توفر ما يلزمهم من خدمات اجتماعية في مجال السكن و التطبيب و الترفيه و التأمين ضد الآفات و التقاعد التكميلي.
شعبي العزيز
إنه لا مكان لتنمية اجتماعية بدون تنمية اقتصادية مما يستوجب بناء اقتصاد جديد قادر على مواكبة العولمة و رفع تحديات ها. وإذا كنا نعتمد اقتصاد السوق فهذا لايعني السعي لإقامة مجتمع السوق بل يعني اقتصادا إجتماعيا تمتزج فيه الفعالية الإقتصادية بالتضامن ال؟إجتماعي.
وهذا ما جعلنا ننشئ صندوق الحسن الثاني للتنمية والتجهيز ونرصد مردود الخط الثاني للهاتف المحمول لإنجاز مشاريع توفر مناصب شغل وعائدات مستمرة في مجال النهوض بالعالم القروي وإيجاد السكن الائق و محاربة مدن الصفيح واستكمال سقي مليون هكتار وبناء الطرق السيارة وتشييد مواقع سياحية ومراكز ثقافية ورياضية ودعم مؤسسات إعلامية.
ومع السهر على تنفيذ هذه المشاريع في عين المكان و تشكيل لجنة خاصة للإشراف على ذلك تحت مسؤوليتنا فقد حرصنا على استمرارية هذا الصندوق وذلك من خلال تخويله استثمار حصة من عائدات الخوصصة في الإنتاج حتى لا تستهلك في ميزانية التسيير. ولتذليل الصعاب و منح فرص الإستثمار للقطاع الخاص الوطني و الأجنبي و لاسيما المقاولات الصغرى و المتوسطة قررنا إحداث لجنة تعمل برئاستنا لتشخيص مواقع الخلل و اقتراح السائل الكفيلة بتبسيط الإجراءات الازمة وإشاعة مناخ الثقة أمام المستثمرين.
وإننا لننتظر من حكومتنا المضي قدما في الجهد التأهيلي للإطار المؤسساتي لاقتصادنا والحرص على رفع مستوى أدائه العام مؤكدين بصفة خاصة على تشجيع نسيج المقاولات الصغرى والمتوسطة التي تعتبر قاطرة الإستثمار الوطني الحقيقي المنتج والمدر لفرص الشغل القارة وذلك بمنحها نظاما تفضيليا سواء في مرحلة التأسيس والانطلاق أو الحصول على التمويلات المناسبة لوضعيتها وجميع التسهيلات التشريعية و التنظيمية. و على الإدارة بجميع أنواعها و مستوياتها أن تعتبر نفسها في خدمة هذه الرافعة القوية للتنمية و أن تنسق جهودها لبذل كل أشكال الدعم لهذه المقاولات في نطاق جهاز مختص في إنعاشها و تنميتها.
كما أننا نجدد دعوتنا للحكومة الواردة في رسالتنا الملكية التوجيهية لمخطط التنمية الاقتصادية و الاجتماعية و المتمثلة في اعتماد منظور تنمية مندمجة لسد العجز و التفاوت الإجتماعي والمجالي و إدماج الشباب في مسلسل الإنتاج و تشجيع روح الإبتكار لديه وإشراك المرأة في التنمية و محاربة الفقر و الإقصاء و البؤس و التهميش وإشاعة روح التضامن و التازر و حفظ الكرامة و اعتماد مخططات جهوية للتنمية و تفعيل دور الجهة في المجال التنموي.
واعتبارا للخصاص الذي تعانيه الأقاليم الشمالية والشرقية في مجال التجهيزات الأساسية والخدمات الاجتماعية مقارنة مع الجهات الوسطى والجنوبية التي نالت نصيبا لا يستهان به في هذا المجال ونظرا لما نخص به هذه الجهات العزيزة على جلالتنا من عناية خاصة فإننا ندعو حكومتنا والوكالة المكلفة بتنمية هذه الأقاليم إلى اعتماد مخطط خاص وطموح لانبعاث الأقاليم الشمالية والشرقية لتمكينها من النهوض بالدور الذي نريده لها كبوابة لجلب الاستثمارات و واجهة مشعة ومزدهرة للمملكة ملحين على تضافر جهود كل من السلطات العمومية والقطاع الخاص الوطني والأجنبي واستكشاف كل مجالات التعاون الدولي مع الهيئات الوطنية والدولية الحكومية وغير الحكومية لرفع معدل نمو هذه الأقاليم إلى المستوى الذي نرضاه لها.
وإننا في مجال التنمية لنولي أهمية خاصة للتنمية القروية باعتبارها أساس التنمية الشاملة. ذلكم أن تحويل المغرب من بلد قروي إلى بلد فلاحي رهين باستراتيجية تنموية قروية تستهدف التعامل مع الجفاف كظاهرة بنيوية لا تقتصر على معالجة آثاره الظرفية بل تسعى إلى تقوية النسيج الإنتاجي في البادية وتنويع مصادر دخل الفلاح وإقامة أنشطة سياحية مع إتاحة ظروف مناسبة في القرى للخدمات والصناعة التقليدية وتحديث الأشغال الفلاحية وسد العجز المسجل في ميدان التجهيزات الأساسية بغية رفع العزلة عن العالم القروي والحرس على حفظ الثروات الطبيعية ضمن تنمية مستديمة.
بيد أن إشكالية ندرة الموارد المائية تظل أولوية الأولويات في ميدان التنمية القروية والفلاحية. و إننا إذ نستحضر بكل إجلال و إكبار الرؤية الثاقبة و العمل الجبار الذي ميز عهد والدنا المنعم رضوان الله عليه حيث أولى عناية خاصة لبناء السدود ولسقي ملين هكتار مما جعل بلدنا يمتص آثار الجفاف فإننا عازمون على مواصلة سياسته الرشيدة في هذا المجال برؤية متجددة تعتمد التدبير العقلاني للموارد المائية و إعادة النظر في نوع الزراعات المستهلكة للماء أو المتضررة من الجفاف و تشجيع التقنيات و الزراعات المقتصدة للماء و توسيع المساحات المسقية و تكثيف برامج الري حتى تشمل الأراضي الفلاحية الممكن ريها.
كما يتعين وضع تصور متطور لسياسة السدود وتعبئة موارد جديدة في هذا المجال والتطبيق الصارم لمقتضيات القانون الخاص بالماء و ترسيخ أسس ثقافية مائية جديدة لدى كل رعايانا الأوفياء قوامها التعامل مع الماء كمادة حيوية نادرة سواء جاد علينا الله سبحانه بغيثه و مائه الذي علينا خزنه كما أوصانا به جل و علا في الذكر الحكيم أو اقتضت إرادته مرورنا لا قدر الله بسنة عجفاء.
و تقديرا منا لفئة الفلاحين العزيزة علينا- والتي نكبر فيها تضامنها وما أبانت عنه من تحل مثالي بالكرامة وتحمل لشدة الجفاف ونعتز بتشبثها بأرضها المعطاء-فقد قررنا تمديد فترة الإعفاء من الضريبة المباشرة على الفلاحين إلى سنة 2010 بدل 2000 املين أن يمكن هذا التدبير الذي نأمر بإدراجه في مشروع القانون المالي المقبل القطاع الفلاحي من التأهيل الشامل لخوض غمار التحديات الداخلية و الخارجية التي تلوح في أفق العشرية القادمة. وفي نفس السياق ننتظر من حكومتنا التفكير في إصلاح جبائي خاص بهذا القطاع الحيوي.. إصلاح يجمع بين ضرورة دعمه لجعله قادرا على رفع تحديات تحقيق الأمن الغذائي للبلاد والتنافسية الدولية وبين مقتضيات العدالة الجبائية التي يتساوى في نطاقها جميع المواطنين.
شعبي العزيز..
إن تحقيق الكثير مما نتطلع إليه جميعا في سياق التنمية يستلزم تحفيز المبادرة و الإبداع لدى كل الفاعلين الاقتصاديين في غير تداخل مع الدور الذي على الدولة أن تقوم به وهو دور الضبط والتنظيم لمجتمع تضامني و إيجاد مناخ ميسر للاستثمار و محفز عليه و خاصة عن طريق الجبايات والإنفاق العام و تحرير المبادرات و تهيئ الدوافع العصرية المتيحة للتشغيل و المتمثلة في خفض معدل الفائدة على القروض و تقليص تكلفة الضرائب و العمل و إخراج مدونة شغل عصرية. كما أن دور الدولة يفرض القيام باستثمارات اجتماعية في مجالات التربية و التكوين لإعداد المواطن الاقتصادي و تأهيله للابتكار والتنافس في جو من الثقة والأمن والاستقرار وفي ظل إدارة شفافة و قضاء نزيه مع الانضباط الحذر والصارم في شأن السياسة المالية و النقدية مما يجعل الدولة في نطاق قوة و سيادة القانون تحفز المجتمع و توجه تطوره و ترعاه ضمن تحكيم رشيد بين مختلف الفئات.
و مع ذلك فإن المقومة لا ينبغي أن تعيش على التسهيلات المتعددة التي تيسرها لها الدولة و لا أن تعتمد الانتظارية كاستراتيجية اقتصادية و لا أن تضحى بالتضمن كغاية مثلى للحياة المجتمعية.
إن المغرب لتنتظره استحقاقات حاسمة و عليه أن يرفع تحديات مصيرية داخلية و خارجية وهو في حاجة إلى بذل كل الجهود وحشد كل الطاقات ضمن نكران نادى به جدنا المنعم جلالة المغفور له محمد الخامس طيب الله ثراه بالجهاد الأكبر حتى لا يخلف موعده في القرن المقبل مع مغرب متقدم اقتصاديا ومتضامن اجتماعيا ومجاليا.
و إنه لمجهود ضخم ينتظرنا جميعا فيما نسميه بمعركة الجهاد الأكبر الاقتصادي لخلق الثروات و فرص الشغل والجهاد الاجتماعي لتحقيق التنمية البشرية. و ينبغي على جميع أرباب المقاولات الإسهام فيه بفعالية و حماس. فلا يجدر ببعض المقاولات المغربية أن تستمر في الاعتماد على اقتصاد الريع و الامتيازات و المكاسب السهلة ولا أن تضع نفسها على هامش حركة التعبئة العامة التي أطلقناها من أجل مغرب الاقتصاد الاجتماعي. و بدل أن تكون المقاولة هي المنتظرة فإننا الذي ننتظر من كل رجالاتها و نسائها المجاهدين في سبيل التقدم الاقتصادي والاجتماعي للبلاد أن روح الوطنية والمقاومة والمغامرة و الإبداع والابتكار وأن يدعموا الجهود التي توليها إياهم السلطات العمومية بمبادرات موازية من ذات الأهمية. فليس من المعقول في شيء أن يستمر الانتظار إلى أن تتم كل الإصلاحات و تمنح كل الامتيازات للانخراط في طريق التعبئة المؤدية إلى الازدهار الاقتصادي و التضامن الاجتماعي اعتبارا لأن هذا الطريق لا نهاية لهو إنه بناء متواصل يجب أن يسهم فيه الجميع جاعلا من عوائق السير فيه محفزا لمضايقة الجهد بدل أن تكون ذريعة لبث روح السلبية و الانتظارية و تشويه الواقع أو تعتيم الأفق المشرق المفتوح أمام وطننا العزيز.
و إننا مع الدعوة إلى تشجيع المقاولة المواطنة الاجتماعية نحث مقاولينا و مقاولاتنا أن يحرصوا على التشبث بتقاليدنا الإيجابية التي كان فيها رب العمل يعيش في مجال اجتماعي مشترك مع باقي الفئات عوض العيش في يأس و تخذل أو عزلة عن الواقع. و ندعوهم كذلك إلى التشبع بروح المقاولة و ما تقتضي من مغامرة واعية وحسن التدبير ومن شفافية وأخلاقيات المعاملات. وإذا ما تسنى ذلك أمكن إقامة شراكة المقاولات الكبرى مع الصغرى بتفويضها بعض الأنشطة وكذا شراكة المقاولات الكبرى الوطنية مع مقاولات أجنبية لجلب الاستثمارات والتقنيات باعتماد معيار فرص الشغل كأساس لذلك. فقطاع السياحة على سبيل المثال يزخر بالكثير من هذه الفرص لإمكان مضاعفة عدد السواح الذين يرغبون في زيارة بلدنا. كما أنه بإمكان التطور السريع لكل التكنولوجيات الحديثة خاصة منها تكنولوجيات الاتصال أن يفتح المجال لإبراز قدرات شبابنا الخلاقة إضافة إلى قطاعات أخرى حيوية كالسكن و الفلاحة والنسيج و الصيد البحري والصناعات الغذائية التي نتوفر فيها على قدرة تنافسية مما يمثل أو راشا شاسعة للعمل والإنجاز. لذا و على الرغم من النتائج الإيجابية المحصل عليها في هذه الميادين و غيرها فإن الدرب ما يزال طويلا و شاقا مما يقتضي مضاعفة الجهود لتحقيق إقلاع اقتصادي صحيح.
شعبي العزيز..
إيمانا من جلالتنا بما توفره السياسة الخارجية من فرص التبادل و التعاون و الشراكة الكفيلة بجلب موارد إضافية لنجاح استراتيجيتنا التنموية فقد حرصنا في عالم يعرف تحولات متسارعة على التأهيل الشامل لمفاهيم ديبلوماسيتنا وأشكال تنظيمها وأنماط تدبيرها يقينا من جلالتنا بأن المغرب بتاريخه الديبلوماسي العريق و موقعه الإستراتيجي المرموق ومكاسبه الديمقراطية و الرصيد الثمين للإشعاع الدولي المعاصر الذي تركه لنا والدنا المنعم قدس الله روحه يتوفر على كل المؤهلات الكفيلة بتعزيز مركزه الدولي كشريك محترم و مسموع في السياسة الدولية متميز بدفاعه عن الشرعية الدولية و نضاله من أجل استتباب السلم والأمن في العالم ناهيك عن كونه متن أكبر دعاة وبناة الوئام والتعاون المثمر بين الشعوب.
وتأسيسا على هذه التوجهات فإننا نطمح إلى أن نجعل مملكتنا تتمتع بكامل وحدتها الترابية و تتعامل مع محيط جهوي مستقر و متضامن في ظل الوفاء الصادق لانتماءاتنا والتزاماتنا الجهوية و الدولية.
وباعتبارنا أميرا للمؤمنين فقد أولينا عناية حاصة لنصرة قضايا الإسلام والمسلمين وتصحيح صورة الإسلام لدى الاخر و بيان حقيقته السمحة المعتدلة والسلمية. وبتنسيق مع أخينا الرئيس ياسر عرفات و بصفتنا رئيسا للجنة القدس الشريف فقد ألححنا لدى كل رؤساء الدول والحكومات الذين قابلناهم على ضرورة وقف تهويد هذه المدينة الشهيدة والحفاظ لها على دورها التاريخي كفضاء مقدس لتسامن الديانات السماوية الثلاث. كما سهرنا على الحفاظ لها على طابعها الإسلامي مترئسين في هذا الشأن الاجتماع الأول للمجلس الإداري لوكالة بيت مال القدس الشريف التي لم نفتأنمدها بكل أشكال الدعم المادي و المعنوي من أجل تمكينها من النهوض بدورها كاملا في هذا المجال.
واستمرارا لعمل والدنا المنعم طيب الله ثراه طوال أزيد من ربع قرن على قيام مصالحة بين أبناء سيدنا إبراهيم عليه السلام والسعي الحثيث لتحويل منطقة مهد الأنبياء لفضاء للتعاون والتنمية والسلام بدل أن تكون مرتعا للتوتر وطغيان الإحتلال فقد حرصنا اتخاذ عدة مبادرات بناءة وتشجيع كل الجهود من أجل إحلال سلام عادل وشامل ودائم في منطقة الشرق الأوسط يضمن قيام الدولة الفلسطينية المستقلة و عاصمتها القدس الشريف وجلاء القوات الإسرائيلية عن كافة الأراضي العربية المحتلة على أساس الشرعية الدولية و الإلتزامات المتبادلة بين الأطراف المعنية تلكم الشرعية و الإلتزامات التي نعتبر أن أي تنكر لها من شأنه الزج بالمنطقة و بشعوبها في التوتر و استمرار المعاناة و تأخير استتباب السلم فيها.
ولأجل الإستجابة لمتطلبات الأمن الإستراتيجي في عالمنا العربي و رفع تحديات عالم بداية القرن الحادي و العشرين فإننا ندعو أشقائنا العرب إلى تجاوز مخلفات الماضي الأليم و اعتماد استراتيجية جماعية عقلانية و تمتين أواصر التضامن بين بلداننا الشقيقة.
و تجسيدا لإيماننا والتزامنا بروابط الأخوة والتضامن المغاربي والعربي والإسلامي فقد سعدنا بمقابلة أشقائنا أصحاب الجلالة والفخامة والسمو ملوك ورؤساء المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة و المملكة الأردنية الهاشمية ودولة البحرين وسلطنة بروناي ومصر وتونس وموريتانيا حيث أتيح لنا العمل سويا معهم على تمتين روابط الأخوة المتينة والتقدير المتبادل.
وتعزيزا منا لأواصر التضامن مع القرة الإفريقية التي تربطنا بها علاقات تاريخية و روحية عميقة فقد حرصنا على دعم علاقات الصداقة التقليدية والتعاون المثمر والتضامن الفاعل والتقدير المتبادل مع قادتها و شعوبها سواء خلال الزيارات الرسمية التي قام بها لبلادها إخواننا رؤساء دول موريتانيا والسينغال ومالي و غينيا الإستوائية أو خلال المقابلات المكثفة التي أجريناها مع عدة رؤساء دول إفريقية شقيقة و صديقة خلال زيارات العمل أو الزيارات الخاصة التي قاموا بها لبلادنا كالغابون و غامبيا و الكونغو و غينيا أو خلال قمة القاهرة الإفريقية الأوربية الأولى. وقد بادرنا خلال هذه القمة التي انهقدت في ظل الإحترام الكامل للشرعية و في جو من التفاهم المتبادل إلى الإعلان عن إلغاء ديون كل الدول الإفريقية الأقل تقدما تجاه المغرب وفتح أسواقنا دون شرط أمام المنتوجات الأساسية لهذه البلدان الشقيقة تفعيلا من جلالتنا لقيم التضامن مع إفريقيا خاصة ومع محور جنوب - جنوب عامة وتجسيدا ملموسا لنوعية العلاقة الإستراتيجية التي ينبغي على أوربا أن تحرص فيها على التنمية المستديمة لقارتنا و على استتباب الأمن و الإستقرار و التخفيف من اثار الكوارث الطبيعية والافات الإجتماعية ذلكم الحرص الذي جسدناه بإرسال مساعدات إنسانية للموزنبيق و بوتسوانا و الإستجابة للنداء الأممي بمساهمة قواتنا المسلحة الملكية الباسلة في توطيد السلم بجمهورية الكونغو الديمقراطية الشقيقة.
وبنفس السعادة والحبور سعدنا باستقبال فخامة رئيس جمهورية الصين الشعبية تفعيلا لما يربط المغرب بهذا البلد الاسيوي العظيم من علاقات صداقة و تعاون خاصة. و بنفس الحرص على توطيد علاقاتنا بكل دول اسيا وأمريكا اللاتينية في جميع المجالات السياسية ة الإقتصادية والثقافية و الإجتماعية أوفدنا وزيرنا الأول على رأس وفود هامة إلى الدول الصديقة..الهند والتيلاند والشيلي و كولومبيا والأرجنتين.
و بموازاة مع الحرص على زيادة تمتين أواصر الأخوة و الصداقة و التعاون و التضامن مع الدولائر المغاربية و العربية الإسلامية و الإفريقية و الاسيوية و الأمريكية اللاتينية لديبلوماسيتنا فقد حرصنا على توطيد تفعيل شراكتنا الإستراتيجية مع دول الإتحاد الأوربي و الولايات المتحدة الأمريكيةفقد أمكننا خلال الزيارة الرسمية التي قمنا بها للولاات المتحدة الأمريكية بدعوة من صديقنا فخامة الرئيس بيل كلينتون أن نقف على ما تحظى به توجهاتنا نحو ترسيخ دولة الحق والقانون وإرساء التقدم الإقتصادي و الإجتماعي بمملكتنا من تقدير كبير. كما أتاحت لنا أن نعرض بكل وضوح مواقفنا من استكمال الوحدة الترابية لبلادنا وإقامة سلام دائم وعادل وشامل بالشرق الأوسط والتشديد على إرادتنا في رفع علاقاتنا السياسية المتميزة إلى مستوى شراكة متميزة قائمة على القيم المثلى المشتركة للديمقراطية و السلم و الأمن و التعون ضمن إطار متجدد و متطور.
فقد شددنا على هذه الإرادة بقوة لدى الإتحاد الأوربي شريكنا الأول في عدة ميادين و التي تربطنا به علاقات جيو استراتيجية و تاريخية و ثقافية عريقة.
وبدخول علاقة المغرب بالإتحاد الأوربي مرحلة حاسمة بفعل الشروع في تنفيذ إتفاقية شراكة المملكة معه ابتداء من فاتح مارس 2000 فإن بلدنا ينتظر من الإتحاد الأوربي أن ينجز تلكم القفزة النوعية التي من شأنها "في إطار نظام شراكة متقدمة" أن تعيد توجيه شراكتنا صوب محور استراتيجي متجدد تحكمه ضوابط متفق عليها و مسؤولية و تنمية مشتركة في جميع المجالات ذات الإهتمام المشترك.و إننا لنأمل تجسيد الإلتزامات الأوربية بتدفق الإستثمارات المباشرة من أجل خلق أكثر ما يمكن من فرص الشغل الكفيلة بالإدماج الإجتماعي لشبابنا في وطنهم الأم والقمينة بتوطيد السلم والنماء والتقدم في منطقة شمال غرب إفريقيا.
ونود أن نشير بصفة خاصة للزيارات الرسمية التي قمنا بها لفرنسا وايطاليا وإلى لقاءاتنا مع صديقينا الكبيرين صاحب الجلالة الملك خوان كارلوس الأول وفخامة الرئيس الفرنسي جاك شيراك الذي تفضل بدعوتي لأول زيارة دولة خارج الوطن وفخامة الرئيسين البرتغالي و والإيطالي وقداسة البابا يوحنا بولس الثاني تلكم اللقاءات التي مكنتنا من تجديد التأكيد على إرادتنا في بناء علاقات شراكة إستراتيجية مع دول الإتحاد الأوربي عامة ومع الدول الأوربية المتوسطية في إطار متجدد لمسلسل برشلونة وحوار أديان مثمر.. شراكة حقيقية مبنية على تخويل المغرب مكانة متقدمة في هذا الفضاء الإندماجي والتكاملي لاقتصادياتنا الليبرالية ومجتمعاتنا الديمقراطية.
وقد حرصنا خلال لقائنا بقداسة البابا يوحنا بولس الثاني على تأكيد إرادتنا الراسخة كأمير للمؤمنين في العمل سويا مع قداستهمن أجل تعايش الديانات السماوية والحوار المثمر بين الإسلام و والمسيحية ضمن كلمة سواء لا نعبد فيها إلا الله وننتصر فيها لقيمها النبيلة القائمة على الحرية و السلام و العدل و الفضيلة.
كما أن اهتمامنا منصب في مجالات علاقتنا بدول الإتحاد الأوربي على حفظ كرامة رعايانا الأوفياء العاملين بدوله المختلفة و على الدفاع على مصالهم المادية و المعنوية. وقد أصدرنا تعليماتنا لسفرائنا و قناصلنا في بلاد المهجر كي يكونوا في خدمة رعايانا الأوفياء وأكثر قربا منهم و استجابة لحاجياتهم خاصة منهم الجيلين الثاني و الثالث الذين نحرص على ارتباطهم بهويتهم الأصيلة و قيمها المقدسة منوهين بإسهامات هذه الفئة العزيزة على جلالتنا في تنمية وطنها المغرب بما حباها الله به من كفاءات علمية و قدرات مادية.
وسواء مع أشقائنا العرب والمسلمين والأفارقة وأصدقائنا في دول الجنوب عامة أو مع شركائنا الإستراتيجيين في دول الإتحاد الأوربي والولايات المتحدة الأمريكية فقد ألححنا على ما لبناء اتحاد مغرب عربي يسوده التضامن والسلام والتكافل والوئام من دور فاعل في بناء تكتل اقتصادي جهوي قوي كفيل بتأهيل بلداننا لرفع تحديات الشراكة مع مجموعات قوية و تحقيق التنمية المستديمة لشعوبنا الشقيقة المرتبطة بأواصر الدين والتاريخ واللغة والمصير المشترك والمتعلقة بقيم الوحدة والتضامن بدل التفرقة وتمزيق كيانات بعضها البعض أو تبديد طاقاتها في معارك مفتعلة.
وفي خضم هذه الإنشغالات الطنية و الجهوية و الدولية فقد ظلت قضية الطي النهائي لملف استكمال وحدتنا الترابية في طليعة ما نهضت به جلالتنا من مهام الإمامة العظمى اعتبارا للإجماع الوطني حول قدسية وحدتنا الترابية لعلاقة أبناء أقاليمنا الجنوبية بالعرش العلوي المجيد إذ كانوا في مقدمة المبايعين لجلالتنا وفي صلب الإلتحام بين العرش و الشعب.
وهكذا فقد حرصنا على الصعيد الداخلي غداة اعتلائتنا عرش أسلافنا الميامين على اعتماد مقاربة جديدة للسلطة في هذه الأقاليم العزيزة علينا مبنية على إشراك رعايانا الأعزاء في الصحراء المغربية في التدبير الديمقراطي لشؤون تنمية الأقاليم الجنوبية و تسريع عودة إخوانهم و أخواتهم المحتجزين في تندوف في إطار الكرامة و السكينة و عفو وغفران الوطن. و شكلنا لهذه الغاية لجنة ملكية خاصة بمتابعة شؤون الأقاليم الجنوبية للمملكة والسهر على تنصيب مجلس إستشاري خاص بها إلى جانب جلالتنا. كما أصدرنا تعليماتنا السامية لاعضاء حكومتنا قصد الانكباب في عين المكان على قضايا سكانها وإيجاد الحلول المناسبة والفورية لها ورصدنا ميزانية مخصصة لمعالجة مشاكل البطالة وأولينا أهمية كبرى للسكن واتخدنا إجراءات عملية لانعاش الحياة الاقتصادية والتجارية والاجتمكاعية في نطاق ترسيخ قوي لمفهوم الجهوية.
أما على الصعيد الدولي فان موقف المغرب الرائد في الدعوة الى تسوية سلمية للنزاع المفتعل حول وحدته الترابية على أساس استفتاء تأكيدي موضوعي وغير منحاز يستمد نزاهته وشرعيته الديمقراطية من استفتاء كل أبناء الصحراء المستجيبين للمعايير الأممية دون تمييز أو إقصاء ولو لواحد منهم مكن تأكيد مغربيته.. هذا الموقف المستند على الشرعية الدولية قوبل بافتعال عدة عراقيل في مرحلة تفعيله الحاسمة من قبل خصوم وحدتنا الترابية الذين لم يعمل توالي عزلتهم الدولية بعودة رعايانا الأوفياء المحتجزين في تندوف الى وطنهم الغفور الرحيم وبسحب مجموعة مهمة للدول الصديقة في افريقيا وأمريكا اللاتينية واسيا لاعترافهم "بالجمهورية الوهمية" إلا على تصعيد تعنتهم المناهض لنص وروح التسوية الأممية وتأجيج تخوفهم من تأكيد استفتاع جميع أبناء الصحراء لمغربيتهم وتجديدهم لبيعتهم وولائهم لعرشهم العولي المجيد.
وعلى الرغم من تعثر الاستفتاء التأكيدي لمغربية الصحراء لأسباب يشهد العالم أجمع أن المغرب لا يتحمل أية مسؤولية فيها فإننا نبذل قصارى جهودنا مع الممثل الخاص للأمين العام للأمــم المتحدة من أجل استكشاف السبل الكفيلة بإزالة كل الصعوبات والعوائق التي تقف في وجه تحديد الهيئة الناخبة بطريقة عادلة وعودة كل اللاجئين إلى وطنهم الأم بين ذويهم وذلك ضمن استعدادنا الدائم لبحث كل المساعي التي من شأنها إنهاء هذا المشكل المفتعل المعرقل لمسيرة بناء اتحاد مغربنا العربي عل أساس الثقة والتفاهم المتبادلين.
ومن منطلق انتمائنا التاريخي والدستوري على حوزة المملكة في دائرة حدودها الحقة وكيفما كانت المساعي الحميدة من أجل تجاوز تعثر مسلسل التسوية الأممي فإننا نود أن نؤكد لك شعبي العزيز أنه في جميع الحالات فإن أية تسوية للنزاع المفتعل حول قضية مسألة وحدتنا الترابية المصيرية ستكون في إطار الثالوث المقدس للإجماع والسيادة والشرعية بحيث أن أي قرار لن يكون إلا بإجماع كل المغاربة والمغربيات اعتبارا لأن السيادة - دستوريا وفي ظل دولة الحق والقانون المغربية - ملك للأمة جمعاء ولأن المغاربة سواسية في الوطنية. كما أن تسوية لن تكون ألا في إطار السيادة الوطنية التي يكفلها إجماعك المقدس والشرعية الدولية المضمونة بالقانون الدولي.
هكذا تمكنا من إغناء الرصيد الديبلوماسي الثمين الذي تركه والنا المنعم قدس الله روحه بتوطيد الدعم الديبلوماسي لقضية وحدتنا الترابية المقدسة وترسيخ وتوسيع علاقات الاخوة والصداقة والتعاون والتفاهم والتقدير والشراكة الاستراتيجية التي تربطنا بالدول الشقيقة والصديقة وإيلاء أهمية كبرى للديبلوماسية الاقتصادية والجمعوية والإعلامية والثقافية والبرلمانية. وسنولي تكثيف جهودنا ليظل المغرب في توجهه الديبلوماسي وفيا لثوابت سياسته الخارجية التي يمليها عليه تاريخه العريق وموقعه الجيوستراتيجي الذي يتوسط العالم وينفتح عليه ودوره كقطب للاعتدال والتعايش والحوار والسلم وحسن الجوار في إطار من الواقعية واحترام الشرعية وغيرها من القيم والمبادئ التي يعتمدها بلدنا للدفاع عن مصالحه في عالم متغير وللاندماج في نظام دولي نتطلع إلى أن يكون متعدد الأقطاب وأكثر إنصافا وشفافية
شعبي العزيز..
إنك تدرك مدى أهمية الإصلاحات الجذرية التي حققناها والتي أكسبت بلادنا مصداقية أكبر ومكنتها من ترسيخ مشروع مجتمعي يستند إلى ديمقراطية اجتماعية متزنة وتنمية اقتصادية مستديمة.
وإننا لنؤكد العزم على متابعة المسير لتحقيق كل مطامحك وتطلعاتك وبلوغ جميع أهدافك وغاياتك مما يقتضي تقوية الإيمان بالله وتعميق الثقة بالذات وإذكاء شعلة الوطنية في النفوس وإشاعة روح المواطنة الحق وتمتين التمسك بالثوابت والمقدسات وسائر مقومات الكيان والمثابرة على مضاعفة الجهود وتضافرها والتعاهد على بذلها بحب وتفان وصدق وإخلاص.
وان تحقيق هذه المقتضيات هو الذي سيمكن المغرب من توفير أسباب العزة والمناعة وسيؤهله لرفع تحديات المستقبل ومواجهة الاكراهات التي يفرضها عالم متحول. وهي إكراهات متعددة ومعقدة وحاسمة إذ تستوجب تطوير توظيف كل المعطيات الوطنية اقتصادية كانت أو اجتماعية أو ثقافية أو سلوكية وتستلزم التوفيق بين تلبية متطلباتنا والتكيف مع متطلبات العولمة التي أبانت عن شراستها الاقتصادية بما تحمل في طياتها من آثار جانبية وبما تنطوي عليه من مخاطر نمطية ثقافية. وهي سلبيات لاسبيل أمامك لتجنبها شعبي العزيز لا بالحفاظ على هويتك والالتحام حول قيادتك والحرص على مؤسسات تقي بلدك المغامرات والتدبر الدائم لدروس تاريخك الحافل الذي كتبه أجدادك الاباء بمداد دمائهم الزكية مضحين بكل غال ونفيس وبأرواحهم فداء للمغرب العزيز.
وأننا لننتهز هذه المناسبة العطرة للترحم على أرواحهم وجميع شهداء الوطن ولاستذكار المواقف الصامدة لقواتنا الملكية المسلحة وقوات الأمن والدرك والقوات المساعدة ورجال الوقاية المدنية وتحيتها وتجديد التنويه بها والاعتزاز بما تركه في نفسنا تفقدنا لمختلف وحداتها خاصة منها المرابطة في الجنوب من أثر حميد والتقدير الدولي الكبير الذي يحظى به العمل الإنساني والنبيل لجيشنا المظفر بالبوسنة والهرسك والكوسوفو من أجل حفظ هويتهما الوطنية الإسلامية من همجية قوى الشر والإبادة البشرية.
فالله نسأل أن يلقى عليك شعبي العزيز أردية الرضى والسكينة والسلامة وأن يبقى عليك نعمة التضامن والفضيلة والكرامة وأن يديمك على جادة العمل والإخلاص والاستقامة وأن يعينني على حمل أمانة قيادتك ويوفقني لاعلاء شأنك ولم شملك وجمع كلمتك ويهديني لما يؤدي إلى خيرك وعزك وسعادتك.
"ان أريد إلا الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب". صدق الله العظيم. والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته".